عثمان بن جني ( ابن جني )
216
الخصائص
وإنما هو مربد واحد ؛ فثناه مجازا لما يتصل به من مجاوره ، ثم إنه مع ذلك وكده وإن كان مجازا . وقد يجوز أن يكون سمّى كل واحد من جانبيه مربدا . وقال الآخر : إذا البيضة الصّماء عضّت صفيحة * بحربائها صاحت صياحا وصلّت " 1 " فأكد ( صاحت ) وهو مجاز بقوله : صياحا . ( وأما ) قول اللّه عزّ وجلّ : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [ النساء : 164 ] فليس من باب المجاز ( في الكلام ) بل هو حقيقة ؛ قال أبو الحسن " 2 " : خلق اللّه لموسى كلاما في الشجرة ، فكلّم به موسى ، وإذا أحدثه كان متكلّما به . فأمّا أن يحدثه في شجرة أو فم أو غيرهما فهو شيء آخر ؛ لكن الكلام واقع ؛ ألا ترى أن المتكلم منا إنما يستحقّ هذه الصفة بكونه متكلّما لا غير ، لا لأنه أحدثه في آلة نطقه ، وإن كان لا يكون متكلما حتى يحرّك به آلات نطقه . فإن قلت : أرأيت لو أن أحدنا عمل آلة مصوّتة وحرّكها واحتذى بأصواتها أصوات الحروف المقطعة المسموعة في كلامنا أكنت تسمّيه متكلما وتسمّى تلك الأصوات كلاما ؟ . فجوابه ألا تكون تلك الأصوات كلاما ، ولا ذلك المصوّت لها متكلّما . وذلك أنه ليس في قوّة البشر أن يوردوه بالآلات التي يصنعونها على سمت الحروف المنطوق بها وصورتها ( في النفس ) ؛ لعجزهم عن ذلك . وإنما يأتون بأصوات فيها الشبه اليسير من حروفنا ؛ فلا يستحقّ لذلك أن تكون كلاما ، ولا أن يكون الناطق بها متكلما ؛ كما أن الذي يصوّر الحيوان تجسيما أو ترقيما لا يسمى خالقا للحيوان ، وإنما يقال مصوّر وحاك ومشبّه . وأمّا القديم سبحانه فإنه قادر على إحداث الكلام على صورته الحقيقية ، وأصواته الحيوانية في الشجرة والهواء ، وما أحبّ سبحانه وشاء . فهذا فرق . فإن قلت : فقد أحال سيبويه قولنا : أشرب ماء البحر ، وهذا منه حظر للمجاز
--> ( 1 ) البيضة : الخوذة . والحرباء : مسمار الدرع . اللسان ( حرب ) . والصفيحة : السيف العريض . ( 2 ) لأن منهج المعتزلة ينكرون الكلام النفسي للّه سبحانه .